محمد بن جرير الطبري

43

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

النساء الناشزات النشوز ، أعني في الهاء والنون من قوله وَاهْجُرُوهُنَّ لأنه إذا أريد به ذلك المعنى ، كان الفعل غير واقع ، إنما يقال : هجر فلان في كلامه ولا يقال : هجر فلان فلانا . فإذا كان في كل هذه المعاني ما ذكرنا من الخلل اللاحق ، فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يكون قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ موجها معناه إلى معنى الربط بالهجار على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بحبل على ما وصفنا : هجره فهو يهجره هجرا . وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام : واللاتي تخافون نشوزهن ، فعظوهن في نشوزهن عليكم ، فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهن ، وإن أبين الأوبة من نشوزهن فاستوثقوا منهن رباطا في مضاجعهن ، يعني في منازلهن وبيوتهن التي يضطجعن بها ويضاجعن فيها أزواجهن . كما : حدثني عياش ، بن أبي طالب ، قال : ثنا يحيى بن أبي بكير ، عن شبل ، قال : سمعت أبا قزعة يحدث عن عمرو بن دينار ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه معاوية : أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما حق ال زوجة أحدنا عليه ؟ قال : " يطعمها ويكسوها ، ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت " . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا يزيد ، عن شعبة بن الحجاج ، عن أبي قزعة ، عن حكيم بن معاوية عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا حبان بن موسى ، قال : ثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا بهز بن حكيم ، عن جده أبو حكيم ، قال : قلت : يا رسول الله ، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : " حرثك فأت حرثك أنى شئت ، حق الزوجة غير أن لا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت وأطعم إذا طعمت واكس إذا اكتسيت ؛ كيف وقد أفضى بعضكم إلا بعض إلا بما حل عليها ؟ " . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال عدة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن الحسن ، قال : إذا نشزت المرأة على زوجها ، النشوز فليعظها بلسانه ، فإن قبلت فذاك وإلا ضربها ضربا غير مبرح ، فإن رجعت فذاك ، وإلا فقد حل له أن يأخذ منها ويخليها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس في قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ النشوز قل : يفعل بها ذاك ويضربها حتى تطيعه في المضاجع ، فإذا أطاعته في المضجع فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته . حدثني المثنى ، قال : ثنا حبان ، قال : ثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول في قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ النشوز ضربا غير مبرح ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربا غير مبرح " . قال أبو جعفر : النشوز فكل هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يوجبوا للهجر معنى غير الضرب ، ولم يوجبوا هجرا إذا كان هيئة من الهيئات التي تكون بها المضروبة عند الضرب مع دلالة الخبر الذي رواه عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضربهن إذا عصين أزواجهن في المعروف من غير أمر منه أزواجهن بهجرهن لما وصفنا من العلة . فإن ظن ظان أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عكرمة ، ليس كما قلنا ، وصح أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بهجر زوجته إذا عصته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر ، لو كان دليلا على صحة ما قلنا من أن معنى الهجر هو ما بيناه ، لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجها أن يعظها إذا هي نشزت ، إذ كان لا ذكر للعظة في خبر عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ؛ وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا عصينكم في المعروف " دلالة بينة أنه لم يبح للرجل ضرب زوجته إلا بعد عظتها من نشوزها ، وذلك أنه لا تكون له عاصية ، إلا وقد تقدم منه لها أمر أو عظة بالمعروف على ما أمر الله تعالى ذكره به . القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبُوهُنَّ يعني بذلك جل ثناؤه : فعظوهن أيها الرجال في نشوزهن النشوز ، فإن أبين الإياب إلى ما يلزمهن لكم فشدوهن وثاقا في منازلهن ، واضربوهن ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعة الله في اللازم لهن من حقوقكم . وقال